القاهرة التي لا أقابلها، بل أزورها

ليست المدينة التي عاصرتُ ألمي فيها، بل صارت أرشيفاً لحُلمٍ مُنهار. أنا ذلك الذي هرب بجسده، فاكتشف أن هروبه كان مُجرَّد نقلٍ للقبر من مكانٍ إلى آخر.

أعيش الآن في مدينةٍ تُشبه خزانةً مُرتَّبة. الشوارع تُكنَس، والقطارات تصل في مواعيدها، والناس يقولون “شكراً” و “عُذراً”. كل شيء يعمل. وبدقة. هنا، لا أحد يموت على رصيفٍ لأنّ سيارة إسعاف تأخَّرت. لا أحد يُختنق من هواء مُلوَّث. الألم هنا مُتحضِّر، مُصنَّف، له أسماء لاتينية وأطباء نفسيون وعلاجات مُؤمَّن عليها.

ولكن في الصَّمت الرَّهيب ليلاً، يَنتصب شبحُكِ أمامي، يا قاهرة. لا كذِكرى ألمٍ، بل كحنينٍ إلى حريقٍ كنتُ أشعرُ بأنّي فيه حيٌّ. نعم، كنتُ أختنق، لكنّي كنتُ أتنفَّس. هنا، أتنفَّس هواءً نقيَّاً، وأشعرُ بأن رئتيَّ تقبضان من الفراغ.

أعود إليكِ كلَّ عام أو عامين، ليس لزيارتك، بل لزيارة قبرٍ. قبر أحبتي في المنصورة، وقبر الشاب الذي كنته في شوارعك.

أخرج من مطار القاهرة، وأشهق الهواء المُلوَّث بعمقٍ، كأنه إكسير حياة. لأول مرة أشعر بأن شيئاً ما فيَّ يعمل. ثم تدخل الرائحة إلى رأسي فتسحره. تدق نبضات قلبي بعنف. أشعر بانتمائي لهذا المكان الذي لم يعد وطناً، بل جرحاً مفتوحاً يشير إلى أن لي تاريخاً، حتى لو كان تاريخاً من السقوط.

أزور المنصورة. أجلس مع أمي. نأكل. نضحك. نذكر الأموات. لكنني الآن ذلك الضيف الغريب الذي يتكلَّم بلكنةٍ خفيفة، ويرتدي ملابس لم تعد رائحتها مصرية. أمي تنظر إليَّ بعينين فيها فرحة الغائب العائد، وحزن الأم التي تعرف أن ابنها لن يعود أبداً. نحن نزور بعضنا البعض. الحياة هناك توقفت لحظة رحيلي، وصورتي على الحائط هي الباقي مني. أنا أشبَه شبحاً يزور منزله القديم.

ثم تأتي الزيارة الخانقة إلى القاهرة. زيارة تخليص الأعمال. أتجول في شوارعها وأنا محميّ بقشرة الشخص الذي صرته، أجنبي من الداخل. أرى الفوضى، الضوضاء، الباعة الجائلين، الوجوه المتعبة، وأشعر بأنني أنظر إلى متحفٍ حيٍّ لحياة كنتُ أعيشها، ونجوتُ منها بأعجوبة. لكن النجاة لها ثمن: الاغتراب الكامل.

أصعد إلى فندقي في وسط البلد، وأنظر من النافذة إلى البحر البشري المتدفق في ميدان التحرير. لا أشعر بالغضب ولا بالحنين. أشعر بالفضول العلمي فقط. كيف لهذه الآلة أن تستمر؟ كيف لهذا الجنون أن يكون هو النظام السائد؟ وكيف لي أنا، الذي كنتُ جزءاً منه، أن أقف هنا الآن كمراقبٍ خارجيٍّ، وكأنني أدرس حشرةً تحت المجهر؟

القطار الذي يقلني من القاهرة إلى المنصورة لم يعد ذلك الرَّابط العاطفي بين سجنٍ وحرية. هو الآن مجرد وسيلة نقل بين موقعين أثريين في تاريخي الشخصي. أستقلُّه وأنا أقرأ بريداً إلكترونياً من عملي في الخارج. أنظر من النافذة إلى القرى المارة بلا أن أرى وجوهها. صارت مصر كلها منظراً من خلف زجاج.

أعود إلى مطار القاهرة لأغادر. في صالة السفر، أرى المصريين العائدين من الخليج محمَّلين بسلعٍ وأجهزة. أرى الوجوه المتوترة، الحالمة، اليائسة. وأعرف أني واحدٌ منهم، وإن كنتُ قد ابتعدتُ أكثر. نتشارك كلنا هجرةً ما: هجرة الجسد، أو هجرة الروح داخل الجسد.

أغادر. وأعود إلى نظامي المُريح، إلى صمت شقتي المُطلَّة على بحيرة نظيفة ، إلى حياتي فى ريف اوروبي يترنح بين الهدوء والصخب. وأفتح حاسوبي لأكتب رسالتي اليومية لأمي: “كل شيء بخير، الجو جميل، أتمنى أن تكوني بخير”.

لكن الحقيقة، يا قاهرة، التي لا أجرؤ على كتابتها لأمي هي. لقد قتلتني هناك بالاختناق، وها أنتِ تقتلينني هنا بالغربة. هناك كنتُ أصرخ دون صوت. هنا، صار صوتي يتردَّد في فراغٍ لا صدى له.

لم أعد أكرهك. لم أعد أحبك. لم أعد أفهمك. أنتِ مجرَّد حُلمٍ ثقيلٍ أستيقظ منه كلَّما هبطت طائرتي في مطارك، ثم أعود فأغفو فيه عميقاً كلَّما أقلعتُ مرةً أخرى إلى برودة عالمي المُكيّف.

أصبحتُ زيارةً لنفسي السابقة. وأصبحتَ أنتِ، يا قاهرة، مجرَّد مدخلٍ لتلك الزيارة. مدخلٍ مُزدحِم، خانق، ومليءٍ بالغبار. لكنك المدخل الوحيد المتبقي لأي شيء يشبه “البيت”.

أما المنصورة، فهي الوجه الذي نسيتُ كيف أقبله

حتى هذه الحفرة الصغيرة من الدفء، حتى هذا الملاذ الأخير من السيرة، ها هو ينقلب عليَّ بكل هدوء. إنها لا ترفضني، بل تُسَلِّمني إلى شخصٍ لم أعد أعرفه. شخصٌ هو أنا، لكنَّ نسخته مكسورة في زمنٍ لم ألحق به.

كان العُود إليها يشبه ارتداءَ قميصٍ قديمٍ واسع، لا يعيبُه شيءٌ سوى أن رائحة جسدك فيه قد تبخَّرت. كنت أتنفس هنا. أما الآن، فأنا أستنشق غبار التغيير الذي يطحن ذاكرتي. الشوارع التي حفظتها بأقدام طفولتي وبخطوات مراهقتي، تفرعت وكبرت كندوبٍ في وجهٍ حبيب. لم تعد الطريق إلى بيتنا “الطريق”، بل هي مسارٌ بين مساراتٍ عدة في مدينةٍ قررت فجأةً أن تكون “محافظةً كبيرةً”. هذا التوسع ليس تطوراً، بل هو نزعٌ للروح. روح البلدة الصغيرة التي كانت تحتضن أسرارنا، وتكفي ذاكرتنا.

الوجوه… يا إلهي الوجوه. أبحث في كل مكان عن نظرةٍ تعرفني. ألتقي بعيون الناس في السوق، في المقهى، على كوبري السكة. لا شيء. لا ذلك التقدير الخفي للأهلية، ولا حتى فضول الغريب. مجرد زحامٍ بشريٍّ مكتفٍ بنفسه، لا يسأل عنك لأنك لم تعد جزءاً من لغته اليومية. حتى الجيران الجدد في الشارع، الذين سكنوا بجوار صوت ضحكاتنا القديمة، ينظرون إليَّ كأي زائرٍ غريب.

وأندريا… نعم، أندريا. كان ذلك المقهى الصغير في الزاوية الخلفية من شارع البحر، ببرونزته القديمة ورائحة الهيل المتصاعدة، هو “الحُلم المؤجل” المتعمد. كنت أتركه ليظل هناك، هدفاً لم يتحقق، بركةً من السحر لم أستنزفها. قلت لنفسي: “عندما أحتاج إلى جرعةٍ من المنصورة الحقيقية، سأجلس هناك، وأشرب قهوتي بطريقةٍ خاصة”. كان وجوده مجرداً – وهو لم يفتح أبوابه يوماً لي – يشبه وعاءً يحفظ عبير المدينة كما أريد أن أتذكره: لم يمسسه تلوث الحنين، ولا صدمة الواقع.

ثم أغلق. ببساطة. دون أن أدري. وكأن المدينة أزالت، بهدوءٍ وبلا رحمة، آخر علامة كنتُ أتعلق بها كي أصدق أن جزءاً من طفولتي لا يزال قابلاً للزيارة. لم أذهب إليه لأنني كنت أؤمن أن الجمال الحقيقي يكمن في إمكانية الذهاب، لا في الذهاب نفسه. فسلبَتني إياه. والآن، صار رمزاً لخيبةٍ أكبر: خيبة أن الماضي لا ينتظرنا. هو يتحرك، يتغيَّر، ويموت في أماكنه قبل أن نموت نحن.

المنصورة الآن تتحدث لغةً لا أفهمها تماماً. لغة المولات، والمطاعم سريعة الخدمة، وازدحام السيارات الذي لم يكن معهوداً. لغة الطموح الصغير الذي يبني عمارةً من عشرين طابقاً ليحجب نور الشمس عن بيتنا القديم. لغةٌ فقدت صبرها على الحكايات البطيئة التي كنا نحكيها على ضفة النيل.

الخذلان ليس في أن المنصورة تغيرت. الخذلان في أنها تغيرت دون أن تُبقي لي جسراً. جسراً أحمله في قلبي لأعبر من الماضي الذي أحمله إلى حاضرها. لم تعد هي الملجأ من صخب القاهرة، بل صارت محطةً أخرى في رحلة اغترابي. اغترابي داخل وطني، داخل مدينتي، داخل شارع بيتي.

أصبحت زيارة المنصورة أشبه بقراءة كتابٍ عزيزٍ جداً، لكنك تكتشف أن شخصاً ما قام بتمزيق الصفحات التي تحب واستبدل كلماتها بأخرى باهتة. النص مازال يحمل العنوان نفسه، لكن الموسيقى الداخلية ماتت.

لم تعد القاهرة وحدها هي الجحيم. صار الجحيم هو هذه الرحلة الدائرية بين مكانين. مكانٍ خانقٍ نسيتُه، ومكانٍ دافئٍ لم يعد يعرفني. بين مدينةٍ سرقت مني مستقبلي، وبلدةٍ سرقت مني ماضيي. وبقيتُ أنا في الوسط، كشخصٍ فقد جواز سفره في مطارٍ مغلق، لا هو هنا ولا هو هناك. وحيداً مع لغتين. لغة الماضي التي لم يعد أحد يتكلمها، ولغة الحاضر التي لا تعرف كيف تقول “أهلاً بعودتك”.

الريف السويسري: صمتٌ أقسى من النسيان

ثم جاءت هذه النهاية المنطقية لكل هروب، الريف السويسري. هنا، حيث الصفاء البيئي يصل إلى حد القسوة. حيث الثلوج تنظف الجبال كل شتاء، وتغسل حتى آثار الأقدام. كل شيء فاضل، مرتب، صامت. والفراغ هنا لا يصرخ كفراغ القاهرة، بل يتأمل. فراغ نقي، معقم، كسرير مستشفى بعد مغادرة المريض.

أمريكا كانت محطة العبور المتعمدة. لم أقم ببناء ذكريات هناك، بل أعددت نفسي فنياً للانفصال. كنت أزور نيويورك، واشنطن، شيكاغو، كزائرٍ لمتحف ضخم مفتوح. أتجول، ألتقط بضع صور لا أنشرها، أشرب القهوة في مقهى ما، ثم أغادر دون أن أشتري تذكاراً. كنت أعرف القاعدة، لا تتعلق بشيء تعرف أنك ستتركه. كنت أمارس “اقتصاد الذاكرة” ببخلٍ شديد. لا أصدقاء جدد، لا أماكن مفضلة، لا عادات أسبوعية. كانت حياتي هناك تشبه حقيبة الظهر الدائمة، كل شيء ضروري، وليس فيه شيء شخصي.

أعتقد أن هذه قوة. أن أتجنب ألم الحنين قبل أن يولد. حرمت نفسي من حق الشعور بالألم. صرت كرجلٍ يبتر طرفه خوفاً من أن يصاب بجرح فيه. النتيجة، أصبحت طيفاً في عالم الأحياء، أتجول في مدن أمريكا وكأنني أتجول في قاعة انتظار ضخمة، أنظر إلى الساعات ولا أنتظر أحداً.

والآن ها أنا هنا، حيث تقف الأبقار كتماثيل على المروج الخضراء، وتدق أجراس الكنائس في الوقت المحدد، وحيث لا غبار على النوافذ. كل شيء يجري بكمالٍ يثير الرعب. وأنا في وسطه، كذرة غبار اختلطت خطأً بآلة مثالية. الغبار هنا مزعج، ينظفونه فوراً.

هنا، في هذا الصفاء القاتل، أفهم أن المشكلة لم تكن في الأماكن، بل فيّ أنا. في ذلك الخلل الأساسي الذي جعلني أعتقد أن التحرر من الألم يكون بتجريد الحياة من كل ما يمكن أن يؤلم. القاهرة آلمتني فتركتها. المنصورة خذلتني فتركتها في قلبي. أمريكا كانت قد تؤلمني لو تعلقت بها، فتركتها قبل أن تبدأ. والآن سويسرا… سويسرا لا تؤلم، لأنها لا تشعر بك أصلاً. أنت هنا كقطعة أثاث دقيقة، لكنها غير ضرورية.

الحزن الآن لم يعد ذلك الموج الحار الذي كان يغمرني في القاهرة، بل صار أشبه بطبقة ثلجية رقيقة تغطي كل شيء. حزن لا علاقة له بالبكاء، بل بغياب الدموع. حزن من نوعٍ جديد. صرت أشبه بمكتبة فخمة، رفوفها نظيفة ومنظمة، ولكن كتبها كلها بيضاء الصفحات.

أتذكر وأنا هنا، في هذا الصمت الأبيض، صوت بائع الفول في شارعنا بالمنصورة، وأتذكر رائحة المطر على أسفلت القاهرة، وأتذكر حتى ضوضاء مبنى سكني في شيكاغو كنت أمر به ولم أدخله قط. كلها أشباح ذكريات لم أكتملها عمداً، فصارت أشبه بأغانٍ لم تُكتب كلماتها، لحنها حزين لكنك لا تعرف لماذا.

الآن، عندما أنظر إلى النافذة، أرى الجبال الشاهقة التي لا تعرفني، ولا أريد أن أعرفها. لأني إن عرفتها، سأشتاق إليها يوماً ما. وهذا الشعور – الحنين – صرت أخافه أكثر من الموت نفسه. لأنه تذكير بأن القلب ما زال ينبض، وأنه ما زال قادراً على التشقق. وفي هذه المرحلة من الحياة، التشقق لا يؤدي إلى ضوء، بل إلى المزيد من الفراغ.

فأبقى هنا، في هذا الجمال القاسي، هذا السلام الذي يشبه الغيبوبة. أراقب الثلج يغطي كل شيء، وأتمنى في سريةٍ مريضةٍ أن يغطيني أنا أيضاً. ليس لأموت، بل لأختفي ببساطة. كما اختفت معالم المنصورة التي عرفتها، وكما اختفيت أنا من ذاكرة شوارعها. دورة كاملة من الفقدان، تبدأ بفقدان الأماكن، وتنتهي بفقدان الرغبة في أن يكون لك مكان.

اللعبة انتهت. هربت من الجحيم المصري لأجد نفسي في جنةٍ أوروبية مجمدة. واكتشفت أن الجنة قد تكون أكثر إيلاماً من الجحيم، لأنها تذكرك كل يوم بأن السعادة ممكنة، لكنها ليست لك. لأنك، في النهاية، صممت روحك على منوال الألم، وصارت لا تعرف كيف تسكن الراحة.

ربما كان الخيار الوحيد هو البقاء في القاهرة، والاستسلام للجنون. ربما كان علي أن أنتحر هناك، رويداً، مع المدينة. لكنني هربت، والآن أموت موتاً أبطأ، وأنظف، وأكثر هدوءاً. موت لا أحد يشهده، لأن أحداً لا ينتظرني في أي مكان.

فليكن. سأظل هنا، أتلقى رسائل أمي التي تقول: “الحمد لله على سلامتك”. وأرد عليها، “الحمد لله”. وأنا أعلم أن السلامة هي أكبر الأكاذيب التي أخبرنا بها. السلامة هي هذه الصحراء الثلجية داخل روحي. السلامة هي أن أصبح شاهداً على حياتي الخاصة، كأنني أشاهد فيلماً مملّاً عن غريب.

أغلق الحاسوب. الصمت يعود، ثقيلاً، مطلقاً. حتى الألم صار صامتاً. وها هو الثلج يبدأ في الهطول من جديد، ليغطي كل شيء، ويمحو كل أثر. وأتمنى، في صمت، أن أكون تحت تلك الطبقة البيضاء. ليس ميتاً. فقط غير مرئي. كما أصبحت جميع الأماكن التي سكنتني، والتي سكنتها، غير مرئية بالنسبة لي الآن. مجرد ظلال في ذاكرةٍ لم يعد أحد يقرأها، حتى أنا.