أمال محطمة

لا أحد ابداً تعود يوماً علي فراق من أحب، ولا أحد تخطي بعد المسافات، لا أحد ينجو من عذابات الانفصال، ولا يوجد من يتحمل الفقد ،لا أحد يعتاد علي الألم، وكل تلك المرات التي نشعر فيها بخيبة الأمل فإننا ننزل نفس الدرك السفلي من العذاب ونكتوي بنار الهوي، تلك النيران التي تحطم جبالأ وتنسف جسوراً، لا أحد محصن من خيبات الأمل.

كل تلك المرات التي نمني النفس بيها بنظرة او ابتسامة من نحب، هي لحظاتنا الأسعد التي نسرقها من تلك الحياة، نريد التضحية بكل شئ من أجلها ورغم ذلك فهي لا تأتي غالباً، سنبكي بكاءً يصلح لاغراق البندقية مرة اخري. تبكي كمية دموع تستطيع إغراق فيل أفريقي بها، وليالي من البكاء كفيلة أن تجعل من أنفك خرطوم هذا الفيل.

ثم حدث ولا حرج عن أطنان الآمال الخائبة التي يشوبها أمل العودة في يوم من الأيام، والأحلام المهدرة التي يسحقها واقعك الشرس، والأمال المنسية التي لا طائل الآن من حفظها أو السعي عليها. مشهد درامي يطغى عليه اللون البرتقالي بذراته الترابية التي تترامى على قلبك الأخضر الغض لتحوله في غضون أيام إلى صحراء تلهث لقطر الندى. كل ما حولك كئيب يملؤه الفراغ، فراغ يتسع مع مرور الوقت ليبلعك ويجبرك على إدراك حجم وحدتك الآن.

وحدتك التي ستظن ولوقت طويل أنها أبدية كالموت. تقبع في ركن غرفتك على الأرض تتلقى الذكريات رفسات أسفل معدتك، تتكوّر على الأرض وتنزف الألم متمنيّا بأشد الصدق بأن ينتهي كل هذا بأي ثمن ما.

الأسوء من كل هذا هو وداع حب لم يكن لك يوماً ما، لا يوجد طريقة مختصرة لتتخطى حبّا لم يُكتب لك. ستعيش وتمضي في أيامك وحيدا بائسا لا تعرف للنوم طعم. ستحاول بكل ما أوتيت من فشل أن تضحك ولن تفلح. ستبكي بكل يأس العالم الساكن فيك. ستنزف من خناجر الذكريات وتموت من انتظار المكالمات.

ستكره من هجرك طوال الصباح لتعود وتقع في حبه حين يغشاك الليل. ستدمن المسلسلات لتبنّج شعورك بالألم، مراراتك رأت الكثير فلن يضرها بعض المسلسلات التركية الكئيبة تلك. ستدمن المهدئات وحبوب النوم لتغرق في النوم لحظياً من دون المرور بنفق أفكارك اليائسة. ستمر بمراحل من الشعور المتذبذبة بين الاشتياق والكره واللوعة والحب والحقد والألم.

تصطبر على الحياة في بعد هذا الحب عنك، مؤمناً أن القدر لا يهديك إلا السعادة وإن طالت ليالي الأرق والكآبة. تحاول أن تعيش يومك متجاهلاً تفاصيل كثيرة تذكرك بهم، مثل شاشة هاتفك التي كلما أضاءت أحدثت في قلبك مهرجاناً من الآلام وكرنفالاً من الدموع المحبوسة والعديد من ألوان قوس قزح التي تشرق بالأمل الذي ينطفئ بمجرد أن ترى أن من يرسل لك هذه الساعة ليس “هو”.

تصبر وانت تراه يضحك ويبكي وأحيانا يشتكي ويكره، ولابد لك من أن تتحمل، فمن كتبت له الحياة العيش من دونك، سيعيش بسعادة من دونك، ومن تقرر الأقدار أنه بأفضل حال بعيد عنك، سيبتعد عنك، ليعلّمك الله أن التعلّق بالأشخاص مرض، وأن حافة الجنون ماهي إلا عرض لمرض، وأنه لن يدوم لك أحد مهما طالت العشرة واسترسلت في حبك وتغنيت بالأشواق والذكريات والوجد.

تصبر وتبدأ في اكتشاف أنواع السعادة السبعة أو الأربعون، التي تعلم أنت جيداً أنها كلها قائمة تختزل فى ابتسامة منه أو ضحكة ولكنك بحلول هذا الوقت يجب أن تكون وصلت لدرجة جيدة من القدرة علي ايهام نفسك بغير ذلك.