أيار شهر ولد للخذلان، ومواليده هم أكثر المخذولين في هذا العالم. أيار شهر لا يميزه شئ. لا رائحة له، لا نشعر بمروره. لا نشعر بمن يولد، يموت، يعيش في ايار. كانون الأول هو شهر الكئابة والانتقال من الخريف ولياله المملة لبرد الشتاء القارس الذي لا تدفئه كل تلك الامال في انتظار الربيع. امتحانات القلق هي تلك التي تكون في كانون الأول، تتحطم امال وتحيي اخري.
ليلتي تلك هي ليلة أخرى من تلك الليالي المقلقة التي من المفترض أن لدي بضعة سنوات لي في هذه الحياة لأعيش مثيلاتها. في سقيع هذه المدينة شئ غريب. إنها لا تقلق الأرواح. أنا هنا غريب، وكما قال امرئ القيس
” أجارتنا إنا غريبانِ هاهُنا ،، وكلُ غريبٍ للغريبِ نسيبُ“
أن تكون غريباً يعني أن تعيش عوالم اخري بداخلك، لا زلت لا تستطيع التأقلم مع البرد، مع النكات العابرة التي تسمعها ولا تفهم معناها، مع ابتسامات المجاملة التي لا تتوقف عنها. عن تلك اللافتات التي لا تلفت انتباهك. عن حياة سابقة. تطاردك ذكرياتها ومستقبل تجاهد من أجله.
ولكننا نحيي في هذا العالم ونحتمل تلك الغربة علي أمل ان حزيران سيحمل لنا كل ما نحتاجه في هذه الحياة. حزيران خلق للسعادة والفرحة، خلق للخلود.
نحيي من أجل أن لا نري البيت التالي لامرئ القيس
” فـإنْ تَصِلِينَـا، فَالقَـرَابَةُ بَيْنَنـا
وإنْ تَصْرِمِينَـا فالغَريـبُ غريـبُ”
فالغريب غريب، والجهل في الوطن غربة والعلم في الغربة وطن.