إتفقا معا أن يلتقيا فى ذلك اليوم الأخير في تمام الساعة السابعة مساءً ليقيما الاحتفال، لكه إحتفالاٌ من نوع أخر , وقبل حلول الموعد بساعة نهض من جموده وركود مشاعره التي قد لازمته منذ فترة ليجهز نفسه لهذا اللقاء الأخير .
إرتدي أفضل البزات لديه ذات ألوان جميلة مناقضة لكل ما في داخله، ثم خرج وهو بكامل أناقته، كان يستغرب فلم يعرف كيف يذهب المرء أنيقاٌ فى لقاء كهذا .
لقد هبط الظلام، كان المكان في ساحةٍ بعيدة نوعًا ما حسب ما طلب ، لكنه اختار أن يمشي بدلاً من أن يستعين بسيارة أجرة لتوصله . لم يكن يشعر بشيءٍ في نفسه غير البلادة، تبلّد تجاه أي شيء… أو كل شيء برمّته… يمشي في طريقه كأنه جهازٌ يتم التحكم به عن بعد بلا إي إرادة منه، كأنه ينفّذ شيئًا ما يمُلى عليه فقط. بدأ يلهث ويشعر بالمشقة رغم أن المسافة لم تكن بعيدة كثيرًا وهو الذي لطالما أحبّ المشي في الطرقات، فداهمته حينها كلمات بسام حجار “المشقة في قلبي لا في الطريق”.
وجدها تتنظره حين وصل فألقي عليها تحية المساء لكنها لم ترد مطلقًا.. هذا طبيعي فكيف ترد وهي الذي جاء لإراقة رمق الحياة الأخير فيها .
تحسس رمل البقعة التي كانوا يجلسون فيها ليتأكد من أنها قاحلة جرداء يستحيل لأي حياةٍ أن تنبت فيها بأي ظرف من الظروف. قال لها وشعورٌ غامض يخيّم على عينيه: دعينا نقوم بهذا سريعًا لننتهي من هذه المهمة، فسألته: جئتِ إلى هنا ولهذا الهدف انتقامًا مني أم من نفسك؟
ردّ بكل غضب: لا شأن لكِ بهذا. لطالما لم أكن أكترث لمثل هذا، ولم أكن لأكترث البتة لولا ما ألمّ بي خلالكِ.
بدأ ينفض كل ما كان في جعبته فقد أحضر معه قطعة كبيرة مزركشة من القماش احتفظ بالكثير من الأشياء فيها.
يقول حسين البرغوثي في رائعته “سأكون بين اللوز”:
‘’ لا يستيقظ في العزلة إلا ما هو كامن فينا أصلًا’’،
وإيمانًا بذلك جلس في الأسبوعين الأخيرين بمعزل عن كل شيء ليل نهار لا يفعل شيئًا سوى نبش كل ما مرّ فيها، كتب كل ما حدث من بدايتك إلى منتهاك في مذكرةٍ فاق حجمها حجم ذاكرتي، جمعتُ كل الصور، وكل النصوص التي كتبتُها ، ومررتُ على كل الإنجازات التي حققتها، وعملي الذي تركته والآخر الذي تسلّمته في منتصفك تمامًا، نقلتُ كل المكالمات الهاتفية، الرسائل والكلمات على قرصٍ مضغوط وقد جلبته أيضًا، لا نسخ بديلة أمتلكها، أحصيتُ كل الأناس الذين عرفتهم، من أحببتهم ومن كرهتهم -فقد لاحظتُ خلال أيامك الأخيرة بأني أصبحتُ أتقن الكره ، كل الأيام، كل المشاعر، كل الليالي.. كل شيء، كل شيء. ها أنتَِ ترىن مظاريف كثيرة، وأوراق كثيرة، وصور كثيرة، فما فعلتُه كان كعملية تعرية ارتكبتها بحقّ ذاكرتي وجردّتها من كل ما اختزنته.
كان يتكلّم كأنه ظالمٌ مستبد يقتات على إيذاء شخص ما، ويشعر بالنشوة واللذة بينما يتحدث عن فعلةٍ ارتكبتها بحقه… يسر ما فعله كأنه انتزع نفسه عن كل ما يدور ويحتفل بالانتصار الآن.
بدأ بالحفر في الرمال بهلع حتى أصبحت الحفرة بعمق متر.
أهذ يكفي؟ لا، لا يكفي. سأحفر أكثر حتى يصبح عمقها أكبر وأقتل احتمالية أن تخرج هذه الأشياء مرةً أخرى. يتابع عملها بطريقةٍ دؤوبة حتى حصل أخيرًا على حفرة بعمق ثلاثة أمتار.
يقولون البدايات دائمًا أجمل والنهايات أصدق، لكنني دائمًا أقع في الفَخّ بأن أبقى متشبث بالبدايات ووفيّ لها، وأغض الطرف عن النهايات ولا أصدقها رغم صدقها. ليس نوعًا من المهانة بل كل الأمر أني أحتفظ بما يتطابق معي… لكن الأمور ستختلف الآن. حان موعد عملية “الغربلة”. جعل يفرز كلّ ما أحضر فالجيد منه احتفظ به في قماشته المزركشة، وما انتهت صلاحيته ألقى به في الحفرة، البدايات الجميلة وتلك السيئة، الأيام البهيج منها والآخر المرير، الذين أضافوا له والذين خذلوه، وأولئك أيضًا الذين أضاف لهم والذين خذلهم ، الذين اقتربوا والآخرين الذين أقصام ، السعادة والحزن كلٌ بدرجات غَمْره، الذكريات بهيّها وبائسها، الأشخاص الزهور منهم والأفاعي، الأصوات دافئها وخبيثها، الحروف، الوجود والغياب، الأغنيات، الضحكات والدموع.. والكثير. وقد كان لها، حنظلتها، النصيب الأكبر من ذلك، رسائلها وصورها، كلماتها وصوتها، وابتسامتها، وكل ما يتعلق بها … كل شيءٍ قام بتصنيفه بطريقة آلية كما لو كانت هذه الأمور لم تقتطع نصيبًا سابقًا من تقاسيم وجهه، ابتسامته، لياليه، فكره، وأرقه.
التجرّد يلخّص كل ما كان يقوم به.
وبعد أن انتهى ألقي بعبارتها التي كانت قد أرسلتها في مطلع هذا العام حين تمنت له “اللهم أجعل أيامك القادمة أحلى وأفضل بكل المقاييس”..
ها هو العام قارب على لفظ أنفاسه الأخيرة لكنه لم يكن كما تمنّيت ، أوتمني هوأيضًا. مِنْ ثَمّ بدأ بإهالة التراب على كلّ ما كانت هذه الحفرة مثواه الأخير. كان يهيل التراب بقوة كمن ينتقم، وكلما قاربت الحفرة على الامتلاء كان يزيدها أكثر حتى لا ينفذ إليه أي مما ألقاه فيها. لا يريد لأي شيء أن يعود، يتأكد كل لحظةٍ من جفاف التراب الذي تهيله من الماء حتى لا تصبح الحفرة تربة خصبة فجأة وينبت ما في داخلها ويعود إليه من عالمٍ آخر.. وليكون احتفاله كاملاً… احتفالٌ بالموت.
أخيرًا، انتهي. انتهى كل شيء. انتهى هذا الموعد الثقيل مع هذا العام.. مر الموعد بسلام – أو ربّما خُيّل إليه ذلك.
ربط قطعة القماش على ما تبقى ومضي. كانت باردة جدًا، روحه، ولم يشعر بشيء.
بينما كان يمشي شعر بطيفٍ ما يتابعه فأصابه الذعر قليلاً وحين التفّ لم يجد شيئًا غير أنفاسها ! أنفاسها كانت تلاحقه!
ما هذه الخيانة؟ لم أنسَ طمرها في التراب حين دفنتُ ما يتعلّق بها لكن كيف تسرّبت؟ كيف هذا؟ أعلم أني كنتُ أحبها جدًا لكنني تخلّيت عنها! كيف ذلك؟! بدأ يسرع كالمجنون حتى يتخلّص منها وكان يسرع أكثر كلما شعر بها تقترب أكثر لتسكنه ثانيةً.. استمرّ في الجري حتى لم يبقَ لها أي أثر، فابتسم حينها شعورًا بنشوة المنتصر ثانيةً بيْد أنه لم يكن يعرف ما التالي.
تابع سيره إلى أن خالجه شعورٌ ما… شعورٌ يعرفه فقد كان يجالسه ليالٍ طوال، الشعور بالسعادة العَكِرَة، الابتسامة المحشوّة بغصّة. كاد أن يشبهه بشعور الأم التي تغمرها الفرحة لإنجاب طفلها لكن يشوب تلك الفرحة ألم الولادة. لم يكن يعرف ما مصدره حتى نظر لما يحمله في يده فتذكّر بأن لها ، نصيبًا أيضًا في الجانب المشرق فلولاها لما صُنّفَ بداية هذا العام على أنها سرمدية جميلة.. البداية فقط. لم يكن يعقد النية على العودة للعام الجديد بأي شيءٍ يستقطب ما فاته فهرع إلى البحر وعندما وصل إلى الشاطئ وقف هناك ونظره يمتد بعيدًا إلى خط الأفق، أمسك ما بيده جيدًا وبكل القوة التي قد تستحثّها روحه للخلاص ألقي به بعيدًا.
ساوره شكٌّ بأن تلك الأشياء قد تعود لكنه عزّي نفسه بأن البحر لا يعيد لشاطئه إلا الأموات، وتلك الذكريات حيّة، حيةّ جدًا. نعم ولن تعود.
شعر بجسده ينهار فجأة كأن الشعور دبّ فيه على حين غرة وبدأ يستعيد كل ما فعله بنفسه. شعر بالغص .. كان يقاوم بشدة ، ، لكن سرعان ما بدأ يقنع نفسه بأن هذه الدموع هي دموع البهجة بسبب الخلاص الذي لطالما كان يتوق إليه .
الساعة تقترب من الحادية عشر مساءً أي أن العام الحالي لم ينته والجديد لم يبدأ بعد. لم يمتلك الرغبة أبدًا بأن يكون شاهدًا على ولادة عامٍ جديد لأنه في نظره إلتزام جديدٌ بالحياة في حين أنه لا يطيق ذلك.
و إصرارًا منه على قراره بألا يشهد البداية الجديدة خلد إلى النوم في تمام الساعة الحادية عشر والربع، فكان ها هنا يقف في المنتصف لا يرتقب نهاية العام الحالي ولا ينتظر بداية ذلك الآخر كدخيلٍ لم يُفْسَح له مكانٌ بعد.