أمال محطمة

عزيزتي نسمة

بداية إسمحي لي بتقديم نفسي إليكِ , أظن أنك لا تعرفين الكثير عني وهذا ليس بالشئ السئ فإلي حد بعيد أنا أيضاً لم أكن أعرف الكثير عني حتي وقت قريب . إنني فتي صعب المراس ولا يؤمن بالقصص والحكايا أو هكذا كنت , كنت هكذا دوماً ولكن هنالك من الحكايا ما تفرض نفسها علينا فتجعلنا نسبح فى خيالات تنسجها عقولنا التي ظننا أنها قد نسيت الخيال من فرط إنغماسها فى واقعية الحياة وروتينيتها الرتيبة التي تشعرني بالكئابة.

أكتب إليكِ لأنني أريد أن أكتب ولأننا نكتب في أحيان كثيرة لا لشئ سوي لتخليد لحظة ما، تلك اللحظة التي قد نكتشف أننا كنا في منتهي الحماقة بعد قليل او كثير فلا ضير ففي الغالب سنندم ونحن كائنات لحوحة لا تعرف القناعة وتندم في جميع الاحوال والاختيارات. نندم علي الصمت وعلي التفوه، فقط من لا يمتلك ما يخسره هو من يحيا بغير ندم، المشكلة هو أن من ليس لديه هو ما يخسره هو كائن غير موجود في عالمنا، قد يكون موجوداً لكن ربما في عالم تسير الغازات فيه طبقاً لقانون الغازات المثالي بدلاً من تعقيدات التصحيحات الرياضية المؤلمة.

لا نكتب إلا القليل عن لحظات السعادة الحقيقة ومن يكتب كثيراً عن لحظة سعيدة فهو يكذب أو هو أحمق بفطرته، فتلك اللحظات خلقت لتعاش بكل تفاصيلها وبكامل التركيز وليس لنحكي عنه. الكتابة فعل هروب ولا احد يود الهرب من السعادة، الكتابة فعل لجوء لبضعة مساحات تقدم لها أوراق اعتمادك فلا تقبل لجوئك وتعطيك مميزات اللجوء كاملة إلا إذا أعطيتها الضمان الكافي أنك ستخلص لها بتاتاً فلن تخون وطنك الجديد أبداً، لذا من يكتب مرة باخلاص سيلجأ وسيكتب ثانية، سيكتب حتي بين براثن الموت وعن الموت ذاته . لا نكتب عن الكتابة إلا عندما نريد الاعتذار لها عن رحيلنا عنها، نكتب عن الكتابة ولها فلربما تقبلنا عندما نعود فهي الوطن، وطن الحب والحرب والعتاب والشوق والسعادة والأمل والوطن الذي نكتب فيه عن خيبات الأمل من أوطاننا. الكتابة فعل حرية وتمرد، نتمرد بها عن الواقع السئ الذي نعيش فيه، نشعر فيه بالحرية من قيود تبدأ من لحظة الميلاد ونرضعها مع حليب الامهات ، الكتابة هي لحظة نشوة وحرية، لحظة تستحق أن نعيشها من الحين إلى الاخر .

أكتب عن لحظة إنتهاء مادة الادب العربي , المادة التي اشتقت كثيراً لدراستها منذ ان سمعنا أنها ستكون متوفرة عندما كنا فى السنة الاولي ربما لا يعود الأمر فقط لعشقي للغة العربية لا فقط بإعتبارها لغة الوطن والمدينة والمجتمع الذي أعيش فيه، بل لانها الوعاء والحاضنة الرئيسية لجميع أفكاري وتخيلاتي. الأدب لا يمثل لي سوي بذرة الإحساس، الإحساس بمعاناة الأخرين ومشاهداتهم وألامهم، أفراحهم وكل ما يمكن ان نخزنه علي أوراق لم تعتد سوي علي حمل الثقيل من العبارات والمعاني.

يكمن إيماني التام بأن قراءة النصوص الأدبية هو مرأة علي القصص والحكايات التي لم تروي لنا ولن تروي إلا إذا سعينا نحن خلفها لنسمعها, لأن هنالك عوالم أخري تحتاج الي أن نفهمها وأن ندركها كجزء من إدراكنا لا فقط للعالم من حولنا بل لذواتنا التي ما هي فى النهاية إلا ترس مرتبط بالعديد من التفاعلات المختلفة منذ لحظة الميلاد حتي لحظة النهاية . اسعدني ما درسته تماماً إذ أنه أتاح لي للمرة الاولي أن أمارس فعل قراءة الادب الذي يحكي الحكايا التي لم تحكي بكامل حريتي , بدون أن أسرق ذلك الوقت من شئ أخر , لعل هذا هو أبرز ما خرجت به من فائدة فأنا كنت مقتنعاً تماماً وما زلت بأن الادب ما هو الا تعبير عن الذات وعن الأفكار وأيضا عن “الخيال”

تعلمت عن نفسي الكثير هنا , تعلمت ألا أنظر دائماً إلي منطق الحق والباطل بل قد يكون هناك تطبيقاً للنظرية النسبية ليس فقط علي الكواكب والمجرات ولكن يمكن لمبدأ نسبية الحقائق أن يمتد أيضاً ليشمل خيالات الإنسان، خيالات عن مدينته وعن مجتمعه وهذا هو الخيال الذي يحركه إما من أجل فرض هذا الخيال أو من أجل الدفاع عن حقه فى الخيال من الأساس!.

الهوية هي موضوع ذاتي بالأساس ولا يمكن الاجابة عن اسئلة الهوية سوي بصعوبة بالغة ولأنني حتي الان لم أحسم أي من أسئلة الهوية فلا يمكنني سوي أن أقول أن كل ما نتعلمه فى هذه الحياة هو جزء من ماهيتنا التي هي فى النهاية جواب الهوية المؤقت، أو لنكن أكثر دقة ولنقل الجواب الذي يتيح لنا المماطلة والهروب للحصول علي بعض الوقت الأخر بعيداً علي إشكاليات الهوية التي تفتك بالبشر

أما عن أكثر النصوص التي أثرت في فهي عديدة ولكن كان أهمها علي الإطلاق هو رجال فى الشمس فهي الرواية البديعة التي تمتلئ بالرموز فى كل أركانها والتي أراد من خلالها غسان كنفاني أن يوصل الكثير والكثير من الرسائل فى عهد الاحباط والسلبية الذي كان يعيشه الواقع الفلسطيني بعد هزيمة العام 48، أما الإجابة عن سؤال لماذا أثرت في هذه الرواية إلي هذا الحد الكبير فربما قد تلخصه بضع كلمات كنا وضعتها كمراجعة علي الكتاب

“انتهيت بسرعة شديدة من هذه الأعجوبة التي لخص فيها غسان صورة معاناة غائبة تماماٌ فى سلسلة المأساة الفلسطينية، مأساة اللاجئين المعلقين ما بين دول اللجوء الباحثين عن سد الرمق والحاجات البشرية الإنسانية . وهو نفسه السؤال الذي ختم به أبو الخيزران الرواية لم أجد اجابة له سوي ما حدث فى الرملة”

لم يدقوا جدران الخزان لأن الموت أهون من أن تري الخيانة، ذكريات سقوط اللد والرملة ما زالت شاهدة فى نفوسهم ، طعم الذل والمهانة كان يكفيه، ليس انتحاراٌ لا ولكن ألا يمكننا أن نعتبر ان المأساة قد خرجت من رحم الخيانة، خيانة الجيوش العربية التي خاطب الفلسطينيون قائدها يوماٌ ما وأخبرهم أنه مجرد يومين وسيعودون الي أراضيهم وبعد سبعون عاماً ما زال أحفادهم ينتظرون نهاية اليومين.

أما عن المهارات التي تعلمتها فهي إلي حد كبير كوني أستطعت ادراك انه هناك علي الأغلب طرق غير طرق الصدام المباشر لفعل شئ ما أو نصرة قضية ما، أنا لا أري فى نفسي قادراً علي فعل الكثير من الأشياء من أجل تحقيق التغيير الذي أطمح به فى مدينتي ولا وطني ولا أمتي ولا حتي فى قسم الفيزياء الذي انتمي إليه ولأن كل منا ميسر لما خلق له فكلنا له المكان الذي يصلح له وقد لا يصلح فى غيره مهما بلغت براعته او درجة إجتهاده، هذا هو أهم ما تعلمته من هذه المادة التي تمنيت أن تستمر لفترة أطول حتي يمكنني الاستمتاع أكثر وأكثر ببمارسة فعل القراءة بدون الشعور بأني أختطف الوقت وأسرقه سرقة لكي أفعل هذا.

فى النهاية أنا ممتن تماماً وسعيد بأنى كنت جزء من كل هذا، وأرجو ألا تثقلك الرسالة أكثر من ذلك فأنا كنت أريد الإطالة أكثر لكن يبدو أن الكلمات بدأت تتساقط ولم تعد بتلك السلاسة.

ممتن بمعرفتك للغاية